السيد المرعشي

290

شرح إحقاق الحق

أخبرنا إبراهيم بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : أن عليا رضي الله عنه قال في ابن ملجم بعد ما ضربه به : أطعموه واسقوه وأحسنوا إسارة فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا . ومنهم الفاضلان المعاصران الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد المدنيان في " جامع الأحاديث " ( القسم الثاني ج 4 ص 449 ط دمشق ) قالا : عن ابن الحنفية قال : دخل علينا ابن ملجم الحمام ، وأنا وحسن وحسين رضي الله عنهم جلوس في الحمام ، فلما دخل كأنهما اشمأزا منهم ، وقالا : ما أجرأك تدخل علينا . قال : فقلت لهما : دعاه عنكما ، فلعمري ما يريد بكما أجسم من هذا ، فلما كان يوم أتي به أسيرا ، قال ابن الحنفية : ما أنا اليوم بأعرف مني يوم دخل علينا الحمام ، فقال علي رضي الله عنه : إنه أسير فأحسنوا نزله ، وأكرموا مثواه ، فإن بقيت قتلت أو عفوت ، وإن مت فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . عن جعفر بن محمد عن أبيه : أن عليا رضي الله عنه كان يخرج إلى الصبح ومعه درة يوقظ بها الناس ، فضربه ابن ملجم ، فقال علي : أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره ، فإن عشت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت ، وإن مت فقتلتموه فلا تمثلوا به . ( الشافعي ) ، ( ق ) ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال الفاضل المعاصر خالد محمد خالد في " أبناء الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كربلا " ( ص 41 ط 5 دار ثابت - القاهرة ) : وأي صورة للعدالة وللرحمة يمكن أن يرقى إليها حكم كهذه الصورة التي يتجلى فيها ابن أبي طالب ودماؤه تنزف وأجله يسرع ، وقد جئ إليه بقاتله ، فلا يشتغل باله ولا يؤرق حياته في لحظات وداعها سوى مصير قاتله ، وحين يقدر على الكلام تنفرج شفتاه عن هذه الكلمات : يا بني عبد المطلب ، لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين خوضا ، تقولون : قتل أمير المؤمنين . أحسنوا نزله يعني قاتله فإن أعش ، فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا وإن أمت ، فاضربوه بضربة . ولا تمثلوا بالرجل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور . ورجل نسك من أرفع طراز ، غزير الدمعة من خشية الله ، دائم الإخبات لله يلبس أخشن الثياب ، ويأكل أجشب الطعام ويحيا بين الناس كواحد منهم . وكان نسكه كخليفة يتمم نسكه كعابد ، فكان يأبى إلا مشاركة الناس في كل ما ينزل بهم من ضر وشظف ويخص نفسه من ذلك بالنصيب الأوفى . ولقد لخص لنا نسك خلافته وإمارته في هذه الكلمات : أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ، ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان . والله ، لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل ، ولباب هذا البئر ، ومناعم هذه الثياب . ولكن ، هيهات إن يغلبني الهوى ، فأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرى . هذه الومضة من حياته ومن عظمة منهجه وسلوكه ، تصور على نحو متواضع ، القضية التي نهض يقاتل من أجلها قضية استمرار عصر النبوة بكل فضائله ومزاياه ، وإنها لقضية جديرة بولاء لا ينتهي ، وتضحيات لا تفنى وهي لم تكن بالنسبة للإمام علي قضية خاصة ، ولا قضية شخصية ، بل هي قضية الإسلام كله ، وقضية كل مؤمن أواب . وإذا كانت الأقدار ستؤثره وأبناءه من بعده ، بأن يكونوا أعظم شهدائها وأشرف قرابينها ، فلتكن مشيئة الله . إن هناك من يموتون من أجل الباطل ، ومن يموتون في سبيل الحق ، فما مزية الحق على الباطل في مجال التضحية والفداء ؟ مزيته أن ضحاياه شريفة ورفيعة وغالية بينما ضحايا الباطل صغيرة دنيئة محقرة . فليكن هو وأبناؤه شرفا للحق في مماتهم واستشهادهم ، كما كانوا شرفا له في محياهم ، وهكذا كان من الصعب عليه ، بل من المستحيل أن يترك قضية الإسلام للأهواء التي هبت عليه جائحة ، جامحة . كانت المهادنة مستحيلة وكانت المسايرة أكثر استحالة . ولم يكن أمامه سوى أن يحمل سيفه وكفنه ، ثم يمضي . . فللمسئوليات العظام خلق وللتضحيات يعيش . وإنه لسليل بيت ، كانت العظمة دثاره ، حتى في الجاهلية وقبل الإسلام ، وإنه لتلميذ دين نشأ ونما ، بين أروع التضحيات وأشرفها وأسماها .